السيد عباس علي الموسوي

16

شرح نهج البلاغة

عليه في حال الحياة اختلفت الأمور بالنسبة إليه وتغيّرت العوارض التي تعرض عليه فكل الشدائد والمصاعب التي تحل فيه لا تخيفه ولا تفزعه وكل تغيرات الأحوال وتبدلها من حزن وظلم وغم لا يعرض عليه ولا يتأثر به وكل زلازل الدنيا ودواهيها لا يبالي بها أو ينتبه إليها ولا يعير سمعه إلى الأصوات الشديدة كالرعد وما أشبه ذلك . ( غيبا لا ينتظرون وشهودا لا يحضرون وإنما كانوا جميعا فتشتتوا وألافا فافترقوا وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم وصمت ديارهم ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات ) من عادة الغائب أنه ينتظر وهؤلاء غائبون لا ينتظرهم أحد . . . فلا عودة لهم ولا رجوع . . . إنهم حاضرون بأجسادهم موجودون بهياكلهم ولكنهم لا يحضرون كما يحضر البشر فإن للحضور آثار وحركة وهؤلاء شهود غيب . . . شهود بالأجساد غيّب بالأفكار والحركة والنشاط إنهم كانوا في دار الدنيا مجتمعين وأصحابا متفقين قد أتى عليهم الموت فأضحوا متفرقين متوزعين لا لقاء بينهم ولا مجلس يجمعهم . . . ثم علل اختفاء أخبارهم وعدم علمنا بما عندهم وما يجري عليهم وعدم إجابة ديارهم لنا عندما نناديها ونستصرخها ونستفهم أهلها علل ذلك بعدم طول العهد بيننا وبينهم فليس بيننا وبينهم مدة طويلة توجب انقطاع الأخبار واختفاء الأحوال وليس لبعد المكان بيننا وبينهم فهم معنا وبيننا ولا يفصلنا عنهم حاجز أو مانع وإنما السبب الذي يخفي أخبارهم ويمنع إجابتهم أنهم شربوا كأسا مرة . . . إنها كأس الموت . . . فالموت هو الذي غيّر أوضاعهم وقلب أمورهم فبدّل ذلك المنطيق المتكلم والخطيب المفوه إلى إنسان أخرس يعجز عن النطق والتعبير . . . وذلك السامع اللاقط لكل شاردة وواردة قد تحوّل إلى أصم قد فقد السمع وتعطل الالتقاط . . . وكذلك تحولت حركة ذلك الإنسان الذي شغل العالم وقلبه بنشاطه وحركته قد تعطلت الحركة بفعل هذا الموت وتوقفت عن الانتقال ولو شبرا واحدا وإذا أراد أن يصفهم المرء ارتجالا وعلى الطبيعة وفور رؤيته لهم وبدون جلسة تفكر ونظر فأحسن ما يصفهم فيه وهم في قبورهم أو بين أيدي أحبتهم إنهم وقعوا على الأرض في حالة نوم . . . كأنهم نائمون فالأجساد موجودة والمعاني مفقودة . . . ولا فرق بين النائم والميت في الصورة . ( جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون بليت بينهم عرى التعارف وانقطعت منهم أسباب الأخاء فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم إخلاء لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ) وصف دقيق لحال الأموات .